السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )

14

أصول الفلسفة

فأعاد المسلمون تلك المآثر والآثار التي هدّمتها يد الجور والطغيان ، وجمعوا شتات العلوم من الكتب الواصلة إليهم ، التي كاد الدهر أن يقضي عليها ، فقد شدّوا الرحال إلى تحصيل المعارف وجابوا البلاد لاستحصال هذه النفائس ، ولاقوا من التعب والوصب ما لا يستهان به ، وقد بلغت الأُمّة الإسلامية في مدة قليلة شأواً عظيماً في العلم ، بحيث صارت العواصم الإسلامية معاهد للعلوم ومراكز للفضائل يقصدها الشرقي والغربي ويطوف عليها رواد الفضيلة ، وهذا التاريخ يحدّثنا حديثاً قطعياً ، بأنّه كانت الرحال تشد من الغرب إلى العواصم الإسلامية التي كانت من النقاط الخصبة بالعلوم والمعارف ، كان الأمر على هذا المنوال إلى أن أفاق الغرب من سباته ، فأحدث مدنية أُخرى قوية جداً ، وأحدث وسائل جديدة إلى ما يحاول العلمبه . والحق أنّ العهد الإسلامي من أشرف الأدوار التي مضت على البشر ومعارفه الكلية وعلومه العقلية ، فقد وضع في ذلك العهد حدوداً للنظر ، وأُصولًا للمعقولات ورسم دوائر يستفاد منها حال ما يمكن وجوده وما يستحيل ، إلى غير ذلك من القواعد . أجل إنّ الإسلام والمسلمين المنتشرين في الشرق وإن أخذوا أساس تلك الثروة الطائلة والكنوز العالية من اليونان ، غير أنّها كانت بضاعة لهم في القرون الغابرة قبل أن تظهر طلائع المدنية في اليونان ، فردّت اليونان إلى الشرق والمسلمين بضاعتهم التي كانوا أخذوها منهم ، فقد كان اليونانيون متطفّلين على موائد الشرقيين من كهنة مصر وغيرها في العلوم الطبيعية والفلسفية .